حول محنة الأمة وسبل الخروج من النفق المظلم

تعيش أمتنا اليوم أقسى مراحل تاريخها الحديث، لا بسبب مؤامرة تحاك من الخارج فحسب، بل وقبل كل شيء بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية، وشلل الإرادة لدى الأنظمة القائمة، التي أصبحت عاجزة عن مجرد استيعاب حجم الكارثة، ناهيك عن مواجهتها.

شعوبنا منهكة الجسد والروح، استنزفتها الحروب، وأرهقها الفقر، وخنقها القمع، وكبلتها السجون والمنافي، حتى غدت تبدو كالجسد الواهن الذي فقد القدرة على رد الفعل، كمن أصيب بغيبوبة تاريخية طالت، فاختلط عليه الأمر بين البقاء والفناء. هذا الصمت المخيف، وهذه السكون القاتل، هي أخطر ما يهدد كياننا، لأنها تعني، ببساطة، أن الأمة فقدت الثقة بقدرتها على التغيير.

ولكن هذا ليس قدرنا:

إن المجلس العربي، وإذ يقر بهول المشهد، فإنه يرفض رفضا قاطعا الاستسلام للإحباط أو الرضوخ لليأس. التاريخ يعيد نفسه، وقد مرت أمتنا بمراحل عصيبة أشرفت فيها على الاندثار، من سقوط بغداد في أيدي التتار، إلى احتلال القدس وفقدان الأندلس، بل إلى محن أقرب في الزمن كادت أن تطمس هويتنا. وفي كل مرة، كان البعث من جديد يتحقق على أيدي شباب آمنوا بأن الغد مشروع يُصنع بالعزيمة والنضال.

وبعد الترحم على أرواح شهداء الأمة في كل معاركها ضد الاستعمار والصهيونية والاستبداد،
وبعد كل عبارات التعاطف والتضامن والفخر بأسرى الحرب ضد الإستبداد الذين يقبعون في مختلف السجون العربية،
نتوجه بهذا النداء إلى كل أحرار الأمة، وإلى الشباب منهم بصفة خاصة:

كونوا أكثر جرأة في تشخيص الداء. إن أسباب الكارثة التي نعيشها واضحة لكل ذي بصيرة: الاستبداد الذي قتل الإبداع، وأذل الكرامة، وكرّس التبعية، ومن ثم الفرقة التي هي نتاج طبيعي لذلك الاستبداد: فرقة طائفية، ومذهبية، وأيديولوجية، وقبلية، وإقليمية، زرعتها الأنظمة لتتفرغ لحكمها، فمزقت النسيج الوطني، وأضعفت الجبهة الداخلية، وجعلتنا غنيمة سهلة للأطماع الخارجية.

إن دعوتنا اليوم هي دعوة لاستعادة القدرة على الحلم، بل ترجمة ذلك الحلم إلى مشاريع عملية واقعية، يقوم عليها ويتبناها المجلس العربي، وهي الركائز الثلاث التي لا قيام لأمتنا بدونها:

أولا: دولة القانون والمؤسسات المبينة على الديمقراطية السيادية الاجتماعية المواطنية.
ليست الديمقراطية عندنا شعارا براقا، بل هي نظام حياة. ديمقراطية سيادية تعني استقلال القرار الوطني، واجتماعية تعني العدالة في توزيع الثروات وتكافؤ الفرص، ومواطنية تعني أن المواطنة هي الأساس الوحيد للحقوق والواجبات، كما عرفها العهد الديمقراطي العربي، حيث يكون الفرد حرا كريما، والمؤسسات هي الحصن الذي يحمي الجميع من ظلم الأفراد أو تغول الجماعات.

ثانيا: بناء شعب من المواطنين.
لا نقبل بتجزئة الإنسان العربي إلى هويات ضيقة. مشروعنا هو صناعة مواطن عربي حر، مؤمن بوطنه وبأمته، يعي حقوقه ويناضل من أجلها، ويؤدي واجباته عن اقتناع، لا عن خوف. شعب متماسك داخليا، متسامح مع تنوعاته، متحد في مواجهة التحديات، لأن الوحدة الوطنية هي الرحم الذي يولد منه أي نهوض حقيقي.

ثالثا: بناء اتحاد الشعوب العربية الحرة.
إن التجزئة الحالية هي وصمة الاستعمار التي ما زلنا نعانيها. مشروعنا الاستراتيجي هو تجاوز هذه الحدود المزروعة، نحو بناء اتحاد طوعي بين شعوبنا الحرة، اتحاد قائم على المصالح المشتركة، والتكامل الاقتصادي، والدفاع المشترك، وحرية التنقل، واحترام سيادة الدول الأعضاء ضمن إطار كونفدرالي يحمي المصالح العليا للأمة. هذا الاتحاد هو الضمان الوحيد لاستعادة دورنا الحضاري والوجودي في العالم.

ختاما:
أيها العرب، لقد آن الأوان لنخلع رداء الضعف والانكسار. الطريق طويل وشاق، ومحفوف بالمخاطر، لكن الاستمرار على ما نحن عليه هو الطريق الأكيد للزوال.

المجلس العربي يمد يده لكل غيور على هذه الأمة، ويدعو الجميع إلى النهوض من السبات، وتوحيد الصف، والعمل الدؤوب لتحقيق هذه المشاريع الثلاثة. لن يصنع مستقبلنا إلا إرادتنا، ولن ينقذنا إلا تكاتفنا.

في ٢ يوليو ٢٠٢٦

عن المجلس العربي
الدكتور المنصف المرزوقي
الدكتور أيمن نور
الأستاذة توكل كرمان

Share